السيد نعمة الله الجزائري

154

عقود المرجان في تفسير القرآن

خلق الأشياء مدرّجا مع القدرة على إيجادها دفعة حثّ على التأنّي في الأمور . « ثُمَّ اسْتَوى » ؛ أي : استوى أمره واستولى . والعرش : الجسم المحيط بسائر الأجسام . سمّي به لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك . فإنّ الأمور والتدابير معه . وقيل : الملك . « يُغْشِي » : يغطّيه به . ولم يذكر عكسه للعلم به ، أو لأنّ اللّفظ يحتملها . قرأ حمزة والكسائيّ : « يغشي » بالتشديد ، للدلالة على التكرير . « يَطْلُبُهُ حَثِيثاً » ؛ أي : يعقبه سريعا كالطالب له لا يفصل بينهما شيء . « مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ » ؛ أي : بقضائه وتصريفه . ونصب الشمس والقمر والنجوم بالعطف على السماوات ونصب مسخّرات على الحال . وقرأ ابن عامر كلّها بالرفع على الابتداء والخبر . « لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ » . لأنّه الموجد والمتصرّف . « تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » : تعالى بالوحدانيّة في الألوهيّة وتعظّم بالتفرّد بالربوبيّة . « 1 » « فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ » . عن أمير المؤمنين عليه السّلام : ولو شاء أن يخلقها في أقلّ من لمح البصر ، لخلق ؛ ولكنّه جعل الأناة والمداراة مثالا لأمنائه وإيجابا للحجّة على الخلق . « 2 » « بِأَمْرِهِ » . متعلّق بمسخّرات . أي : خلقهنّ جاريات بمقتضى حكمته وتدبيره وكما يريد أن يصرفها . سمّى ذلك أمرا على التشبيه كأنّهنّ مأمورات بذلك . « 3 » عن أبي جعفر عليه السّلام : انّ اللّه خلق الشهور اثني عشر شهرا وهي ثلاثمائة وستّون يوما فحجر منها ستّة أيّام خلق فيها السماوات والأرض . فمن ثمّ تقاصرت الشهور . « 4 » وطرحت هذه الستّة من أصل السنة فصارت ثلاثمائة وأربعون وخمسون . « 5 » وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : من بات بأرض قفر فقرأ : « إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ » إلى : « الْعالَمِينَ » حرسته الملائكة وتباعدت عنه الشياطين إلى الصباح . فمضى الرجل فإذا هو بقرية خراب فبات فيها ولم يقرأ الآية ، فتغشّاه الشيطان فإذا هو آخذ بخطمه . « 6 » فقال له صاحبه : أنظره . واستيقظ الرجل فقرأ الآية ، فقال الشيطان لصاحبه : أرغم اللّه أنفك . احرسه الآن حتّى يصبح .

--> ( 1 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 341 - 342 . ( 2 ) - الاحتجاج 1 / 379 . ( 3 ) - الكشّاف 2 / 109 . ( 4 ) - الخصال / 486 ، ح 62 . ( 5 ) - الخصال / 602 ، ح 7 . ( 6 ) - الخطم : مقدّم الأنف والفم . ( هامش النسخة )